عبد الكريم الخطيب

941

التفسير القرآنى للقرآن

في سبيل اللّه . . يقوم ليله ، ويصوم نهاره . . وما شبع من طعام قط ، ولا نام إلا على حشية من ليف . . وهو الذي كان يستطيع - لو أراد - أن يأكل في صحاف من ذهب ، وأن ينام على فراش من حرير . . فكان خاتم الأنبياء وصفوة الخلق . . وهكذا نجد الابتلاء بالضراء أرجح كفة من الابتلاء بالسراء ، في ميزان الصياغة لمعادن الرجال ، وصبّهم في قوالب الكمال والإحسان . . ولهذا كان أولو العزم من الرسل ، هم الذين ابتلوا وامتحنوا أشق امتحان ، وأثقل ابتلاء . . وثالثا : الابتلاء بالشرّ ليس ضربة لازب لأولياء اللّه وأحبابه وأصفيائه ، ولكنه الشأن الغالب عليهم ، لأن ذلك أشكل بطبيعتهم ، وأقرب إلى نفوسهم ، لأنهم كلما ازدادوا من اللّه قربا انكشف لهم أمر الدنيا ، ومتاعها الغرور ، فنظروا إليها نظرة استخفاف واستصغار ، لكل ما فيها ومن فيها ، ثم إذا هم رأوا تكالب الناس وتزاحمهم على مواردها ، زادهم ذلك إحقارا لها ، وبعدا عنها . فهذا الذي نرى فيه أولياء اللّه وأصفياءه ، من فاقة ، وضرّ ، وحرمان ، ونعدّه بلاء أو ابتلاء ، هو - في الواقع - مطلب لتلك النفوس العظيمة ، ورغبة محببة لهذه القمم العالية من عباد اللّه . . إنهم يزهدون فيما تطلبه النفوس ، راضين . . وإنهم ليجدون في الحرمان ، من الغبطة والرضا ، ما لا يجده الواجدون من متع الحياة ومسراتها . . وهكذا تطلب كل نفس غذاءها الذي يهنؤها ، ويطيب لها . . وشتان بين الكلاب والأسود . . حيث تتقاتل الكلاب على الجيف ، على حين تموت الأسود جوعا ولا تدنو منها . .